الشنقيطي
74
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
نفس واحدة واستحياها خوفا من اللّه ، فهو كمن أحيا الناس جميعا ، لاستواء الأنفس في ذلك . وعن ابن عباس : فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ، أيّ عند المقتول إذ لا غرض له في حياة أحد بعد موته هو ، ومن أحياها واستنقذها من هلكة ، فكأنّما أحيا الناس جميعا عند المستنقذ ، وقال مجاهد : المعنى أنّ الّذي يقتل النفس المؤمنة متعمدا جعل اللّه جزاءه جهنّم ، وغضب عليه ولعنه ، وأعدّ له عذابا عظيما ، ولو قتل الناس جميعا لم يزد على ذلك ، ومن لم يقتل فقد حيي الناس منه . واختار هذا القول ابن جرير ، وقال ابن زيد : المعنى أنّ من قتل نفسا يلزمه من القصاص ما يلزم من قتل الناس جميعا ، قال : ومن أحياها ، أي عفا عمّن وجب له قتله ، وقال الحسن أيضا : هو العفو بعد المقدرة ، وقيل : المعنى أنّ من قتل نفسا فالمؤمنون كلّهم خصماؤه ، لأنّه قد وتر الجميع ، ومن أحياها وجب على الكلّ شكره ، وقيل : كان هذا مختصّا ببني إسرائيل ، وقيل : المعنى أنّ من استحلّ قتل واحد ، فقد استحلّ الجميع ، لأنّه أنكر الشرع ، ومن حرّم دم مسلم ، فكأنّما حرّم دماء الناس جميعا ، ذكر هذه الأقوال القرطبي « 1 » ، وابن كثير « 2 » ، وابن جرير « 3 » وغيرهم ، واستظهر ابن كثير هذا القول الأخير ، وعزاه لسعيد بن جبير . وقال البخاري في [ صحيحه ] باب قول اللّه تعالى : وَمَنْ أَحْياها . قال ابن عباس : من حرّم قتلها إلّا بحقّ حيي الناس منه جميعا . وقال القرطبي : إحياؤه عبارة عن الترك ، والإنقاذ من هلكة ، وإلّا فالإحياء حقيقة الّذي هو الاختراع ، إنّما هو للّه تعالى ، وهذا الإحياء ، كقول نمروذ لعنه اللّه : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [ البقرة : 258 ] ، فسمّى الترك إحياء . وكذلك قال ابن جرير ، قوله تعالى : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً الآية ، اعلم أنّ هذه الآية اختلف في سبب نزولها ، فقيل : نزلت في قوم من المشركين ، وقيل : نزلت في قوم من أهل الكتاب ، وقيل : نزلت في الحروريّة . وأشهر الأقوال هو ما تضافرت به الروايات في الصحاح ، وغيرها ، أنّها نزلت في قوم « عرينة » ، و « عكل » ، الّذين قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاجتووا المدينة ، فأمر لهم صلى اللّه عليه وسلم بلقاح ، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها ، وألبانها فانطلقوا ، فلمّا صحّوا وسمنوا ، قتلوا راعي
--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 6 / 146 ، 147 . ( 2 ) التفسير 2 / 47 ، 48 . ( 3 ) جامع البيان 6 / 129 ، 130 ، 131 .